أبي الفرج الأصفهاني
345
الأغاني
قال له فتيان من عجل : هذا رؤبة بالمربد [ 1 ] يجلس فيسمع شعره وينشد الناس ويجتمع إليه فتيان من بني تميم ، فما يمنعك من ذلك ؟ قال : أو تحبّون هذا ؟ قالوا نعم . قال : فأتوني بعسّ [ 2 ] من نبيذ فأتوه به ، فشربه ثم نهض وقال : إذا اصطبحت أربعا عرفتني ثم تجشمت الذي جشّمتني فما رآه رؤبة أعظمه وقام له عن مكانه وقال : هذا رجّاز العرب . وسألوه أن ينشدهم فأنشدهم : الحمد للَّه الوهوب المجزل وكان إذا أنشد أزبد ووحش بثيابه ( أي رمى بها ) . وكان من أحسن الناس إنشادا . فلما فرغ منها قال رؤبة : هذه أمّ الرّجز . ثم قال : يا أبا النّجم ، قد قرّبت مرعاها إذ جعلتها بين رجل وابنه . يوهم عليه رؤبة أنه حيث قال : تبقّلت [ 3 ] من أوّل التّبقّل بين رماحي مالك ونهشل أنه يريد نهشل بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم . فقال له أبو النّجم : هيهات ! الكمر [ 4 ] تشابه . أي إني إنما أريد مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل . ونهشل قبيلة من ربيعة وهؤلاء يرعون الصّمّان [ 5 ] / وعرض الدّهناء . قال أبو عمرو : وكان سبب ذكر هاتين القبيلتين ( يعني بني مالك ونهشل ) أنّ دماء كانت بين بني دارم وبني نهشل وحروبا في بلادهم ، فتحامى جميعهم الرّعي فيما بين فلج [ 6 ] والصّمّان مخافة أن يعرّوا [ 7 ] بشرّ حتى عفا [ 8 ] كلؤه وطال ، فذكر أنّ بني عجل جاءت لعزّها إلى ذلك الموضع فرعته ولم تخف من هذين الحيّين ، ففخر به أبو النّجم . قال : ويدلّ على ذلك قول الفرزدق : أترتع بالأحياء سعد بن مالك وقد قتلوا مثنى بظنّة [ 9 ] واحد فلم يبق بين الحيّ سعد بن مالك ولا نهشل إلا دماء الأساود [ 10 ] ترتيب الرجاز في رأي بعض الرواة : وقال الأصمعيّ : قيل لبعض رواة العرب : من أرجز النّاس ؟ قال : بنو عجل ثم بنو سعد ثم بنو عجل ثم بنو سعد . ( يريد الأغلب ثم العجّاج ثم أبا النّجم ثم رؤبة ) .
--> [ 1 ] يعني مربد البصرة وهو من أشهر محالها ، وكانت به سوق الإبل قديما ثم صار محلَّة عظيمة سكنها الناس ، وبه كانت مفاخرات الشعراء ومجالس الخطباء . [ 2 ] العس : القدح الكبير . [ 3 ] تبقلت : خرجت لطلب البقل . [ 4 ] الكمر : جمع كمرة ، وهي رأس الذكر . يريد أن الرجال اختلطت عليك . وقد صار هذا مثلا ، ولفظه « الكمر أشباه الكمر » . [ 5 ] الصمان : أرض فيها غلظ وارتفاع ، وفيها قيعان واسعة ورياض معشبة ، وإذا أخصبت ربعت العرب جميعا . وكان الصمان في قديم الدهر لبني حنظلة ، والحزن لبني يربوع ، والدهناء لجماعتهم ، والصمان متاخم للدهناء والعرض : الوادي . [ 6 ] فلج : علم على عدّة مواضع . [ 7 ] يعروا : يصابوا . وفي الأصول : « يغروا » . بالغين المعجمة وهو تصحيف . [ 8 ] عفا : كثر . [ 9 ] الظنة : التهمة . [ 10 ] الأساود : شخوص القتلى ، وهو جمع الجمع للسواد ؛ ومنه قول الأعشى : تناهيتم عنا وقد كان فيكم أساود صرعى لم يسوّد قتيلها